محمد بن جرير الطبري

237

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

ابن جريج : إن أخذ الرجل من المن والسلوى فوق طعام يوم فسد ، إلا أنهم كانوا يأخذون في يوم الجمعة طعام يوم السبت فلا يصبح فاسدا . القول في تأويل قوله تعالى : كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وهذا مما استغني بدلالة ظاهره على ما ترك منه ، وذلك أن تأويل الآية : وظللنا عليكم الغمام ، وأنزلنا عليكم المن والسلوى ، وقلنا لكم : كلوا من طيبات ما رزقناكم . فترك ذكر قوله : وقلنا لكم . . . " لما بينا من دلالة الظاهر في الخطاب عليه . وعنى جل ذكره بقوله : كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ كلوا من مشتهيات رزقنا الذي رزقناكموه . وقد قيل عنى بقوله : مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ من حلاله الذي أبحناه لكم ، فجلناه لكم رزقا . والأَول من القولين أولى بالتأويل لأَنه وصف ما كان القوم فيه من هنيء العيش الذي أعطاهم ، فوصف ذلك بالطيب الذي هو بمعنى اللذة أحرى من وصفه بأنه حلال مباح . و " ما " التي مع " رزقناكم " بمعنى " الذي " كأنه قيل : كلوا من طيبات الرزق الذي رزقناكموه . القول في تأويل قوله تعالى : وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ وهذا أيضا من الذي استغني بدلالة ظاهره على ما ترك منه . وذلك أن معنى الكلام : كلوا من طيبات ما رزقناكم ، فخالفوا ما أمرناهم به ، وعصوا ربهم ثم رسولنا إليهم ، وما ظلمونا . فاكتفى بما ظهر عما ترك . وقوله : وَما ظَلَمُونا يقول : وما ظلمونا بفعلهم ذلك ومعصيتهم ، وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ . ويعني بقوله : وَما ظَلَمُونا وما وضعوا فعلهم ذلك وعصيانهم إيانا موضع مضرة علينا ومنقصة لنا ، ولكنهم وضعوه من أنفسهم موضع مضرة عليها ومنقصة لها . كما : حدثت عن المنجاب ، قال : ثنا بشر ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس : وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ قال : يضرون . وقد دللنا فيما مضى على أن أصل الظلم وضع الشيء في غير موضعه بما فيه الكفاية ، فأغنى ذلك عن إعادته . وكذلك ربنا جل ذكره لا تضره معصية عاص ، ولا يتحيف خزائنه ظلم ظالم ، ولا تنفعه طاعة مطيع ، ولا يزيد في ملكه عدل عادل ؛ بل نفسه يظلم الظالم ، وحظها يبخس العاصي ، وإياها ينفع المطيع ، وحظها يسيب العادل . القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ والقرية التي أمرهم الله جل ثناؤه أن يدخلوها ، فيأكلوا منها رغدا حيث شاءوا فيما ذكر لنا : بيت المقدس . ذكر الرواية بذلك : حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أنبأنا عبد الرزاق ، قال : أنبأنا معمر ، عن قتادة في قوله : ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ قال : بيت المقدس . حدثني موسى بن هارون ، قال : حدثني عمرو بن حماد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ أما القرية فقرية بيت المقدس . حدثنا عن عمار بن الحسن ، قال : ثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع : وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ يعني بيت المقدس . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : سألته يعني ابن زيد عن قوله : ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها قال : هي أريحا ، وهي قرية من بيت المقدس . القول في تأويل قوله تعالى : فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً يعني بذلك : فكلوا من هذه القرية حيث شئتم عيشا هنيا واسعا بغير حساب . وقد بينا معنى الرغد فيما مضى من كتابنا ، وذكرنا أقوال أهل التأويل فيه . القول في تأويل قوله تعالى : وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً أما الباب الذي أمروا أن يدخلوه ، فإنه قيل : هو باب الحطة من بيت المقدس . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو الباهلي ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن